آلية تمكين المرأة كشريك في البناء الحضاري

آلية تمكين المرأة كشريك في البناء الحضاري
كل مشروع حضاري يسعى إلى النهوض الحقيقي ينطلق من فهمٍ عميقٍ للإنسان بوصفه محور العمران، ووعاء القيم، وفاعل التاريخ. وحين يُختزل الإنسان في نصفه، أو يُستدعى نصفه الآخر بوصفه تابعًا أو عنصرًا هامشيًا، يتعرّض البناء الحضاري إلى خلل بنيوي يفقده التوازن والاستمرارية. من هنا تبرز آلية تمكين المرأة كشريك في البناء الحضاري بوصفها مدخلًا تأسيسيًا لإعادة ضبط العلاقة بين الإنسان والرسالة، وبين المجتمع ووظيفته التاريخية.
التمكين في هذا السياق يتجاوز المقاربات الشعاراتية أو الحقوقية المجردة، ليغدو عملية حضارية شاملة، تعيد للمرأة موقعها الطبيعي في إنتاج المعنى، وصناعة القيم، وبناء المؤسسات، وتشكيل الوعي الجمعي. فالحضارة ثمرة تفاعل متكامل بين الذكورة والأنوثة، بين العقل التحليلي والحدس الوجداني، بين القوة والتنمية، وبين الرعاية والقيادة.

أولًا: مفهوم تمكين المرأة في الإطار الحضاري
تمكين المرأة حضاريًا يعني إدماجها الواعي في الوظائف الكبرى للعمران: التربية، والمعرفة، والاقتصاد، والسياسة، والثقافة، والقيم. ويقوم هذا التمكين على الاعتراف بكفاءتها الإنسانية، وطاقتها الإبداعية، ودورها المركزي في نقل الرسالة الحضارية عبر الأجيال.
المرأة في الرؤية الحضارية ليست “قضية” تُدار، بل “شريك” يُستثمر حضوره، وتُستنهض طاقته، ويُبنى معه المستقبل. وحين تُفهم المرأة بهذا المعنى، يتحوّل التمكين من مطلب إلى ضرورة سننية، تفرضها قوانين الاجتماع البشري وحركته التاريخية.

ثانيًا: البعد القيمي للتمكين الحضاري
التمكين الحضاري للمرأة يرتكز على منظومة قيمية ترى الإنسان قيمةً في ذاته، وترى التكامل أصلًا، وترى العدل ميزانًا. فالمرأة تحمل في تكوينها رصيدًا أخلاقيًا ووجدانيًا يجعلها عنصرًا حاسمًا في ترسيخ الرحمة، والاتزان، والاستدامة داخل المجتمعات.
وحين تُمنح المرأة فرصة الإسهام في المجال العام، تُغذّي السياسات بروح الرعاية، وتُضفي على الاقتصاد بعدًا إنسانيًا، وتُدخل إلى التربية حسّ المعنى والاحتواء. وبذلك يتحقق توازن قيمي يحمي الحضارة من الجفاف الأخلاقي، ومن اختزال النجاح في مؤشرات مادية صرفة.

ثالثًا: التمكين بوصفه استثمارًا حضاريًا
كل حضارة صاعدة أدركت مبكرًا أن تمكين المرأة يمثل استثمارًا طويل الأمد في رأس المال البشري. فالمرأة المتعلمة، الواعية، المُمكَّنة، تنشئ أجيالًا قادرة على التفكير، والتعاطف، والعمل، وتحمل المسؤولية.
ويظهر هذا الاستثمار بوضوح في المجتمعات التي جعلت من تعليم المرأة أولوية استراتيجية، وربطته ببناء الأسرة المتماسكة، والاقتصاد المنتج، والمؤسسات الرشيدة. فحين تشارك المرأة في صناعة القرار التربوي، تُبنى المناهج على أساس إنساني أعمق، وحين تشارك في سوق العمل، تُعاد صياغة بيئات العمل بروح أكثر توازنًا.

رابعًا: نماذج تاريخية دالّة
التاريخ الإنساني، والإسلامي خصوصًا، يزخر بنماذج نسائية أسهمت بفاعلية في البناء الحضاري. فخديجة بنت خويلد مثّلت نموذج الشريك المؤسِّس، الذي جمع بين الحكمة الاقتصادية، والدعم المعنوي، والرؤية الثاقبة. وعائشة بنت أبي بكر أدّت دورًا معرفيًا محوريًا في نقل العلم، وبناء الوعي الفقهي، وتشكيل المدرسة التعليمية الأولى.
وفي عصور لاحقة، أسهمت نساء كثيرات في الوقف، والتعليم، والطب، والفنون، والقيادة الاجتماعية، ما يعكس حضورًا حضاريًا متجذرًا، تشكّل عبر منظومة قيم ترى في المرأة طاقة بناء، ورافعة نهضة.

خامسًا: نماذج معاصرة واقعية
في العصر الحديث، تظهر تجارب دول ومجتمعات جعلت من تمكين المرأة ركنًا في مشروعها الحضاري. ففي بعض الدول الآسيوية، جرى الاستثمار المكثف في تعليم الفتيات، وربط هذا التعليم ببرامج ريادة الأعمال، والتنمية المجتمعية، ما أفضى إلى نهضة اقتصادية متوازنة ذات طابع اجتماعي واضح.
وفي مجتمعات إسلامية معاصرة، برزت نماذج لنساء قدن مبادرات تعليمية، ومشاريع اجتماعية، ومراكز بحثية، حافظت على الهوية القيمية، وأسهمت في تحديث أدوات العمل الحضاري، من موقع الشراكة لا التبعية.

سادسًا: أثر التمكين في إعادة بناء الأسرة والمجتمع
تمكين المرأة حضاريًا ينعكس مباشرة على بنية الأسرة، باعتبارها الخلية الأولى للعمران. فالمرأة الواعية بدورها الحضاري تربي أبناءها على المعنى، والمسؤولية، والاتزان، وتحمل رسالة المجتمع إلى المستقبل.
كما يسهم هذا التمكين في بناء مجتمع متماسك، تتوزع فيه الأدوار بعدالة، ويجري فيه الاعتراف بالكفاءة، ويُدار فيه الخلاف بروح تشاركية. وبهذا المعنى، يصبح تمكين المرأة مدخلًا لإعادة ترميم النسيج الاجتماعي، وتعزيز الثقة، وتقوية رأس المال الأخلاقي.

سابعًا: التمكين بين الخصوصية والانفتاح
الآلية الحضارية لتمكين المرأة تقوم على الجمع بين الخصوصية الثقافية والانفتاح الواعي. فالتمكين الناجح يستند إلى مرجعية قيمية واضحة، ويستفيد في الوقت ذاته من الخبرات الإنسانية، وأفضل الممارسات العالمية، في التعليم، والعمل، والإدارة.
هذا التوازن يتيح للمرأة أن تسهم في العصر، وتشارك في الحضارة العالمية، وهي متجذّرة في هويتها، وواعية برسالتها، ومتصالحة مع ذاتها ودورها.

الركن الأصيل
آلية تمكين المرأة كشريك في البناء الحضاري تمثّل ركنًا أصيلًا في أي مشروع نهضوي جاد. فهي آلية تعيد للإنسان كماله، وللمجتمع توازنه، وللحضارة روحها. وحين يُفهم التمكين بهذا العمق، يتحول من مطلب جزئي إلى خيار حضاري شامل، تُبنى عليه الأجيال، وتُصاغ به السياسات، ويُستعاد عبره المعنى العميق للعمران الإنساني.
إن إشراك المرأة في البناء الحضاري بوصفها شريكًا كامل الأهلية، يمثل خطوة وعي، وخيار حكمة، واستجابة لسنن التاريخ التي تقود الأمم المتوازنة نحو الاستمرار والازدهار.