يتناول هذا المقال دور العدالة وتكافؤ الفرص بوصفهما محركين أساسيين للاستقرار المجتمعي والارتقاء الحضاري. ينطلق المقال من فرضية مؤداها أن العدالة ليست مجرد غاية أخلاقية، بل هي «نظام تشغيل» مؤسسي يضبط العلاقة بين الفرد والدولة. ويستعرض تجارب دولية متنوعة (النموذج الإسكندنافي، والسنغافوري، والألماني)، مع ربطها بالمنظور الإسلامي للعدالة، لتخلص إلى أن التلازم بين السياسات العامة والوعي الثقافي هو الضامن الوحيد لتحقيق نهضة مستدامة.
أولًا: الإطار المفاهيمي للعدالة وتكافؤ الفرص في السياق الحضاري
تُعرَّف العدالة الحضارية إجرائيًا بأنها تمكين الفرد من شغل المكانة المتسقة مع قدراته الذاتية، وضمان وصوله إلى الموارد الأساسية دون عوائق بنيوية. أما تكافؤ الفرص فيمثل تهيئة الظروف المبدئية التي تسمح للأفراد بالانطلاق من قاعدة مشتركة، ليصبح «الاستحقاق» (Meritocracy) هو المعيار الوحيد للتمايز.
وفي الرؤية الحضارية الإسلامية، يتجاوز مفهوم العدالة الجانب الإجرائي إلى مبدأ الاستخلاف، حيث يُنظر إلى الإنسان بوصفه مستأمنًا على عمارة الأرض. ويتجلى ذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90]؛ إذ يمثل «العدل» هنا الإطار التنظيمي والمؤسسي الملزم، بينما يمثل «الإحسان» الوازع الأخلاقي الذي يضمن مرونة هذا النظام وديمومته في الضمير الجمعي.
ثانيًا: مأسسة العدالة: من التنظير الأخلاقي إلى السياسات العامة
تقتضي العدالة التحول من «الخطاب الوعظي» إلى «السياسات القطاعية» الممنهجة. وبالنظر إلى التجارب الدولية، نجد تباينًا في المداخل وتشابهًا في الغايات:
- النموذج الإسكندنافي (السويد نموذجًا): استندت العدالة إلى مبدأ «الرفاه الشامل»، عبر توفير حقوق أساسية (تعليم، وصحة) ممولة ضريبيًا، مما خلق «أرضية صلبة» لتكافؤ الفرص، أدت بدورها إلى مجتمع عالي الثقة (High-Trust Society) ومنخفض التوترات الطبقية.
- نموذج الدولة التنموية (سنغافورة): ركزت الدولة على العدالة الاستحقاقية، بربط الترقّي الاجتماعي بالكفاءة التعليمية والاختبارات الموضوعية، مما حوّل الكادر البشري إلى رأس مال وطني نافس عالميًا رغم محدودية الموارد الطبيعية.
ثالثًا: العدالة التعليمية كمدخل للتوازن الاجتماعي
يُعد التعليم المختبر الأول لقياس مدى جدية النظم في تطبيق العدالة. ففي التجربة الفنلندية، جرى اعتماد استراتيجية «المساواة في الجودة»، حيث تلاشت الفجوة بين التعليم العام والنخبوي. إن كسر احتكار المعرفة يضمن بقاء الحراك الاجتماعي (Social Mobility) نشطًا، بينما يؤدي غياب العدالة التعليمية إلى «إعادة إنتاج الفقر» وتحويل التعليم إلى أداة للفرز الطبقي، مما يهدد السلم الأهلي.
رابعًا: البُعد الاقتصادي وعدالة التوزيع في سوق العمل
تتجلى العدالة الاقتصادية في مكافحة الاحتكار وضمان شفافية التوظيف. ويؤصل الفكر الإسلامي لعدالة العائد مقابل الجهد في التوجيه النبوي: «أَعْطُوا الأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ»، وهو ما يؤسس لمفهوم الكرامة الاقتصادية.
تطبيقًا لذلك، يبرز النظام الألماني (التدريب المزدوج) كآلية لضمان تكافؤ الفرص عبر الاعتراف بالمسارات المهنية والأكاديمية على حد سواء، مما أدى إلى استقرار سوق العمل وربط الأجور بالإنتاجية الحقيقية، لا بالمكانة الرمزية للمؤهل.
خامسًا: العدالة كتموضع ثقافي ووعي مجتمعي
لا تستقيم القوانين دون ثقافة حاضنة. إن مقولة عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا»، تمثل دستورًا ثقافيًا يربط العدالة بالحرية الكامنة في الذات البشرية. ويتطلب ذلك دورًا محوريًا للمؤسسات التربوية والإعلامية لتفكيك ثقافة «الواسطة» والمحسوبية، وإحلال ثقافة «الاستحقاق» محلها، لضمان تحويل العدالة إلى سلوك يومي تلقائي.
سادسًا: المرجعية القيمية والشهادة بالقسط
يضع القرآن الكريم ضابطًا صارمًا لممارسة العدالة في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء: 135]. والتعبير بلفظ «قوّامين» يفيد المبالغة والاستمرارية، مما يعني أن العدالة في الإسلام ليست حالة ساكنة، بل هي فعل ممارسة مستمر يطال التوظيف، والحكم، وتوزيع الثروة. كما يرسخ الحديث النبوي: «الناس سواسية كأسنان المشط» مبدأ المساواة في القيمة الإنسانية، مع ترك التمايز خاضعًا لعنصري العمل والخلق.
دمج البعدين المؤسسي والقيمي
إن ضمان العدالة وتكافؤ الفرص يمثل «العقد الاجتماعي» الجديد الذي تحتاج إليه المشاريع النهضوية. إن التجارب العالمية تؤكد أن التنمية المستدامة هي ثمرة مباشرة لثقة الأفراد في نزاهة المنظومة. وبدمج البُعد المؤسسي (السياسات) مع البُعد القيمي (الإيمان بالعدالة كعبادة)، يمكن صياغة نموذج حضاري تتحرر فيه الطاقات البشرية من قيود التهميش، لتتحول نحو الإبداع والمساهمة في العمران البشري.