تمهيد:
لم يعد الحديث عن جيل Z ترفاً فكرياً أو انشغالاً إعلامياً عابراً، بل أضحى ضرورة معرفية وتربوية تفرضها تحولات عميقة أصابت بنية الاجتماع الإنساني، وأعادت تشكيل علاقة الإنسان بالمعرفة، والسّلطة، والقيم، والزّمن؛ من هذا الوعي تحديداً انطلق الدكتور أحمد اليوسف في محاضرته الموسومة بـ (شيفرة جيل Z)، واضعاً يده على إشكال مركزي مفاده أنّ هذا الجيل لا يمكن فهمه بالأدوات التربوية والخطابية نفسها التي صاغت الأجيال السّابقة.
فاهتمام الدكتور لا ينبع من توصيف ظاهرة شبابية فحسب، بل من إدراكٍ: أنّ جيل Z يمثّل تحولاً نوعياً في نمط الوعي الإنساني، وأنّ الفشل في فهم هذا التحول يفضي بالضّرورة إلى فشل في التربية، والتعليم، والتّأطير القيمي.
أولاً. جيل Z وتحول شروط التكوين:
ينطلق أحمد اليوسف من مسلمة أساسية مفادها أنّ جيل Z هو أوّل جيل وُلد داخل العالم الرقمي مكتمل البنية. فالتكنولوجيا لم تكن طارئة في حياته، بل شكّلت الإطار الذي تشكلت داخله لغته، وذاكرته، وخياله، وطرائق تفاعله مع الواقع.
وقد ترتب عن ذلك نمطٌ جديد في تلقي المعرفة؛ قوامه السرعة، والتشظي، والانتقال السريع بين المصادر، مقابل تراجع الصبر على القراءة الطويلة، والتحليل المتأني، والخطاب الممتد. وهو ما يفرض إعادة النظر في المناهج التعليمية، وأساليب التواصل، بل وحتى في طرائق الدعوة والتوجيه.
ثانياً. إعادة تعريف السلطة والمعرفة:
تُبرز المحاضرة تحولاً جوهرياً في مفهوم السّلطة لدى (جيل Z) فلم تعد السّلطة المعرفية أو التربوية تُستمد من الموقع أو اللقب، بل من القدرة على الإقناع والمصداقية العملية.
فالمعلم، والمربي، والداعية، لم يعودوا المصدر الوحيد للمعلومة، بل أصبحوا واحداً من مصادر متعددة، يختار منها الشاب ما يراه أقرب إلى منطقه وتجربته؛ وهذا التحول لا يعني بالضّرورة التمرد، بقدر ما يعكس انتقال الجيل من منطق الامتثال إلى منطق الاختيار الواعي.
ثالثاً. مركزية الذات والتجربة:
من أبرز ما توقف عنده أحمد اليوسف تأكيده أن (جيل Z) جيل التّجربة بامتياز، فهو لا يكتفي بالخطاب، ولا يطمئن إلى الشّعارات، بل يبحث عن المعنى في التجربة الملموسة، وفي النماذج الواقعية.
وهنا تتجلى أزمة الخطاب التربوي التقليدي، الذي يراكم الأحكام دون بناء المعنى، ويُكثِر من الوعظ دون أن يربط القيم بالحياة اليومية.. فالإشكال ليس في رفض القيم، بل في غياب الجسر الذي يصلها بواقع الجيل.
رابعاً. ملاحظات منهجية على الظاهرة:
من خلال قراءة أطروحة اليوسف، يمكن تسجيل جملة من الملاحظات المركزية:
أولها: أنّ الخلل لا يكمن في الجيل ذاته، بقدر ما يكمن في أدوات التعامل معه، فالخطاب الذي صيغ لعالم ما قبل الرّقمية، لا يمكن أن يكون فاعلاً في عالم المنصّات المفتوحة.
وثانيها: أنّ اختزال الظّاهرة في بعدها السلوكي يفرغها من عمقها المعرفي والثقافي؛ إذ إنّ (جيل Z) هو نتاج سياق عالمي معقّد، لا يمكن فهمه بمعزل عن تحولات المعرفة والاقتصاد والاتّصال.
أما ثالثها: فهو خطورة القطيعة بين الأجيال، لأنّ انسحاب الكبار من دور المصاحبة يفتح المجال لتشكّل وعي هش، أو منبتّ عن المرجعيات الأصيلة.
خامساً. نحو حلول واقعية وفاعلة:
تؤكّد المحاضرة، ويعضدها التّحليل، أنّ الحل لا يكمن في الصّدام مع الجيل، ولا في التساهل المطلق معه، بل في إعادة بناء العلاقة التربوية على أسس جديدة:
علاقة تقوم على الحوار بدل التلقين، وعلى الإقناع بدل الإلزام، وعلى بناء المعنى قبل فرض السلوك، كما تفرض المرحلة تجديد الخطاب التربوي والديني، لغةً ووسيلةً ومقاربة، مع الحفاظ على الثوابت القيمية التي تشكل جوهر الهوية.
التربية الإسلامية (وجيل Z) أفق الاستيعاب والتجديد:
إنّ التربية الإسلامية، في أصلها القرآني والنبوي، ليست تربية زمنٍ بعينه، بل مشروع إنساني ممتد، يستوعب التحولات دون أن يفقد بوصلته. فالقرآن الكريم خاطب العقل الإنساني بوصفه عقلاً متدبراً مختاراً: ﴿أفلا يتفكرون﴾، ﴿أفلا يعقلون﴾، وهي صيغة خطاب تتجاوز الأزمنة وتخاطب الإنسان في كلّ أطواره.
أما السنّة النبوية، فقد قدّمت نموذجاً عملياً بالغ العمق في مراعاة اختلاف النّفوس والأعمار والسياقات؛ فكان النبي ﷺ يقدّم الرّفق على الشدّة، والمعنى على الحكم، والاحتواء على الإقصاء، قائلاً: "ما كان الرفق في شيء إلا زانه"، ومؤكداً أنّ جوهر الرّسالة هو بناء الإنسان من الدّاخل: "إنّما بُعثت لأتمّم مكارم الأخلاق".
وعليه، فإنّ التّربية القادرة على النّجاح مع (جيل Z ) هي تلك التي تستلهم الرّوح المقاصدية للتربية الإسلامية؛ تربية تجمع بين ثبات القيم ومرونة الوسائل، وتخاطب العقل والوجدان معاً، وتربط الإيمان بالتّجربة الحيّة، لا بالخطاب المجرد.
وهنا بالضّبط يتجلّى التحدي الحقيقي: كيف نُربّي جيلاً صالحاً لزمانه؟، متصالحاً مع واقعه؟، دون أن يكون منقطعاً عن جذوره وهويته؛ وهو سؤال مفتوح، لا يجيب عنه الوعظ وحده، بل الفهم العميق، والمصاحبة الواعية، والتجديد المسؤول.